محمد بيومي مهران

60

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

إلا إياه ذلك الدين القيم » ، وهذه هي أوضح صورة للإسلام وأكملها وأدقها وأشملها « 1 » . وهكذا يبلغ الصديق عليه السلام ، أقصى الغاية من الدرس الذي ألقاه ، مرتبطا في مطلعه بالأمر الذي يشغل بال صاحبيه في السجن ، ومن ثم فهو يؤول لهما الرؤيا في نهاية الدرس ، ليزيدهما ثقة في قوله كله وتعلقا به يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ « 2 » . والصديق ، مع هذا كله ، بشر ، فيه ضعف البشر ، فهو يتطلب الخلاص من سجنه ، بمحاولة إيصال خبره إلى الملك ، لعله يكشف المؤامرة الظالمة التي جاءت به إلى السجن ، وإن كان اللّه تعالى شاء أن يعلمه أن يقطع الرجاء إلا منه وحده ، وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ « 3 » ، والبضع ما بين الثلاث إلى التسع ، وفي الحديث « رحم اللّه أخي يوسف لو لم يقل أذكرني عند ربك لما لبث في السجن سبعا » « 4 » ، والاستعانة بالعباد ، وإن كانت مرخصة ، لكن اللائق بالأنبياء الأخذ بالعزائم « 5 » ، وجاء في تفسير القرطبي أن جبريل جاء إلى يوسف وهو في السجن معاتبا فقال له : يا يوسف من خلصك من القتل من أيدي إخوتك ، قال اللّه تعالى ، قال فمن أخرجك من الجب ، قال اللّه تعالى ، قال فمن عصمك من الفاحشة ، قال اللّه تعالى ، قال فمن صرف عنك كيد النساء ، قال اللّه تعالى ، قال : فكيف تركت ربك فلم تسأله

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 1960 . ( 2 ) سورة يوسف : آية 41 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 42 . ( 4 ) تفسير النسفي 2 / 223 . ( 5 ) تفسير أبي السعود 4 / 280 ، تفسير الخازن 3 / 285 - 286 .